بقلم/ نزار عبد الخالق
لا يمكن لأي نهضة فكرية أو ثقافية أن تزدهر دون وجود شخصيات ثقافية قادرة على استثارة الخيال الجمعي للمجتمع، ودفعه نحو الإبداع والابتكار، فالتنمية الثقافية ليست مجرد نشرٍ للكتب، أو عقدٍ للندوات، والحوارات، بل هي عملية ديناميكية تستهدف تغيير أنماط التفكير وإطلاق العنان للخيال الخلّاق الهادف المنضبط، مما يؤدّي إلى ازدهار الآداب والفنون والفكر النقدي، إضافة إلى تحويل الأفكار إلى واقع ملموس يسهم في تنمية المجتمع وتحسين جودته ورفاهيته.
أن المثقف الحقيقي هو الذي لا ينعزل في برج عاجي عن مجتمعه ولا يدرك همومه ومشكلاته واحتياجاته، بل يكون في قلب المجتمع، يمارس دوره التوعوي والتنموي كما يمارس دوره المعرفي، فالمثقف الحقيقي ليس من يحفظ الاقتباسات أو يخوض نقاشات نظرية بلا نهاية، بل هو ذلك الشخص الذي يرى مشكلة في مجتمعه، فيفكر، ويبحث، ثم يبتكر حلاً لها.
ويعد الدكتور عبد الرحمن بن عبد الله المشيقح مثقفًا استثنائيًا لما يتمتع به من عمق معرفي وتنوع ثقافي، كما أنه يجمع بين المعرفة والخبرة العملية في مجالات متعددة، من الفكر والتعليم إلى الاقتصاد والإعلام. تميزه يتجلى في قدرته على الربط بين الماضي والحاضر، والاستفادة من التراث في صياغة رؤى مستقبلية، إلى جانب دعمه المستمر للمبادرات الثقافية والتنموية، وأسلوبه في الطرح يجمع بين العمق والبساطة، مما يجعله مؤثرًا في مختلف الأوساط الفكرية والمجتمعية، فهو شخصية كثيرة الإنجازات غزيرة العطاءات في مختلف المواقع والمجالات التي مر بها وعمل لها.
نموذج استثنائي يجسد توازنًا دقيقًا يصعب على الكثير من الناس الحفاظ عليه، إلا من أولئك الذين يجمعون بين العلم الواسع والمعرفة العميقة والتجربة الميدانية الغنية، مع قدرة على بناء علاقات إنسانية متينة. إنه نوع من التوازن الذي لا يتحقق إلا عبر تضحيات ومعاناة طويلة، وهو ما يميز كبار المفكرين والمثقفين الذين وضعوا بصمتهم في المجتمع. فهو يمثل نموذجًا رفيعًا للمثقف الذي جمع بين العلم والعمل والمعرفة الواسعة وبين القيم الإنسانية السامية.
كما أنه لدية رؤية متكاملة للتنمية تجمع بين الفكر والتطبيق، يدمج فيها بين التعليم والاقتصاد والصناعة التي تجها في كتابه الماتع “سطور في التنمية” ، إيمانا منه بأن النهضة الحقيقة لا تقوم إلا على الركائز الثلاث معا .
فالدكتور المشيقح لم يكن مجرد مفكر أو أكاديمي أو مؤلف فحسب، بل أيضًا رجل أعمال بارعًا أسهم في إنشاء وتطوير العديد من المؤسسات الصناعية والزراعية والتجارية والتعليمية والصحية والتي تعد إضافة اقتصادية ومجتمعية. وقد حرص على أن تكون هذه المشاريع ذات أثر تنموي ملموس، تسهم في خلق فرص عمل وتعزز من قيمة الاقتصاد المحلي.
حيث استطاع تحويل محزونه الثقافي إلى واقع مملوس بمساهمته في إنشاء الجامعات ومنها “جامعة المستقبل” التي تضم العديد من التخصصات الطبية والهندسية والإدارية، والمساهمة في إنشاء “جامعة منار الشمال” في منطقة حائل والتي سوف ترى النور قريبا بإذن الله، والمشاركة في تأسيس المستشفيات مثل مستشفى القصيم الوطني التي وضعها نواتها مع مجموعة من رجال الأعمال المخلصين، ومراكز البحوث والتطوير ومنها “مركز الدكتور عبد الرحمن بن عبد الله المشيقح للبحث علمي والابتكار” الذي أوقفه في التعليم العام خدمة للموهوبين والمتميزين ويضم تخصصات نوعية متميزة في الكمياء والفيزياء وعلوم الفضاء والطيران والذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة. إضافة إلى وقف تعليمي يتمثل في مدرسة بشمال مدينة بريدة.
كما أنه ساهم في دعم وإنشاء المكتبات العامة، والفئوية، مثل مكتبته الخاصة، ومكتبة للمكفوفين باسم والده الشيخ عبد الله المشيقح، ومكتبة في سجن عنيزة، وقد خصص جائزة للموهوبين والموهوبات في التعليم العام بمنطقة القصيم، وكذلك مسابقته الأدبية الشهيرة التي سمقت من المحلية إلى الدولية.
إضافة إلى صالونه الأدبي المعروف باسم “أربعائية المشيقح” التي عقد فيها لقاءات ومحاضرات وندوت وحوارات اهتمت بالشؤون الوطنية والاجتماعية والاقتصادية، وأثرت الساحة الثقافية.
ولم يكن مصدر الثقافة والأدب بمدينة بريدة ببعيد عن اهتمامه، فقد كان عضوا فاعلًا في مجلس إدارة نادي القصيم الأدبي مدة 27 عام ، قدم فيها مع زملائه خدمات جليلة للرواد الأدب والثقافة بمنطقة القصيم وخارجها.
أما مساهماته المجتمع فتضح جليا من خلال دعمه للعديد من المناسبات والفعاليات واللقاءات في منطقة القصيم وغيرها، والتي تتمثل في مئات الدروع وشهادات التقدير التي منحت له من خلال تلك المساهمات والمناسبات قرابة نصف قرن من الزمان والتي يحتفظ بها في مكتبه، إضافة إلى العديد من المساهمات الخيرية.
إن الشخصيات الثقافية المتميزة ليس مجرد منتجي أفكار أو مؤلفي كتب، بل هي محرك أساس لتطوير المجتمعات من خلال دورها الفاعل في تعزيز المؤسسات الثقافية والتعليمية والمجتمعية. فهي تسهم في إنشاء مراكز الأبحاث، وتأسيس دور النشر، وإطلاق المبادرات الفكرية التي تهدف إلى نشر المعرفة، وتوسيع آفاق التفكير النقدي، وتعزيز الوعي الجمعي. ولا يقتصر تأثيرها على المجال الأكاديمي فحسب، بل يمتد إلى رسم السياسات الثقافية والمشاركة في الحوارات العامة التي تهدف إلى جعل الثقافة عنصرًا أساسيًا في بناء الهوية المجتمعية وتشكيل مستقبل الأجيال القادمة.
فالدكتور المشيقح ليس مجرد مراقب أو ناقد، بل مساهم في صناعة القرار، ومشارك تقديم رؤى تسهم في نهضة المجتمع، حيث تتجلى بصمته في كل مناحي الحياة الفكرية والتعليمية والاجتماعية، من خلال مؤلفاته ومنشاته وإسهاماته؛ مما يدل على اهتمامه بالعلم والمعرفة، والتي تعد ركيزة في بناء أي مجتمع واعٍ ومتقدم.
